recent
أخبار ساخنة

التسامح صفة النبي محمد ﷺ _بالتسامح تُبنى الأمم، وتزدهر القلوب، وتعلو الإنسانية.



                            


        التسامح في سيرة النبي محمد ﷺ: خُلُق عظيم ومفتاح للسلام الداخلي


يُعد التسامح من أعظم القيم التي دعا إليها الإسلام، ومن أسمى الأخلاق التي جسّدها النبي محمد ﷺ في حياته. فالتسامح ليس مجرد خُلُقٍ عابر، بل هو أسلوب حياةٍ راقٍ ينبع من قلبٍ مؤمنٍ بالله، يملؤه حب الخير للناس، والرحمة بالمخطئين، والعفو عن المسيئين.

وقد كان نبينا الكريم ﷺ المثل الأعلى في تطبيق هذا الخلق العظيم، فكان يعفو عمّن ظلمه، ويصفح عمّن أساء إليه، ويقابل القسوة بالرحمة، والجهل بالحلم. ومن خلال سيرته العطرة نتعلّم أن التسامح هو طريق السعادة، وأن العفو عند المقدرة هو عنوان القوة الحقيقية.


معنى التسامح في الإسلام

التسامح في جوهره هو القدرة على العفو والمسامحة مع الاحتفاظ بالقدرة على الانتقام، لكنه اختيارٌ نابع من إيمانٍ عميق، وسلوكٌ ينبع من طهارة القلب وسلامة النفس.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

"ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" [فصلت:34]

 

هذه الآية تُجسد المعنى الأسمى للتسامح، فهي دعوة لأن يُقابل الإنسان الإساءة بالإحسان، والعداوة بالمحبة، ليحوّل الكراهية إلى ودٍّ وسلام.

والنبي محمد ﷺ لم يكن يُعلِّم الناس التسامح بالكلام فحسب، بل كان يُجسِّده في أفعاله وأقواله وسلوكه اليومي.


 النبي محمد ﷺ نموذج للتسامح الإنساني

في حياة النبي ﷺ أمثلة لا تُحصى على التسامح والعفو. فقد تعرّض في بداية دعوته لأشد أنواع الأذى من قومه، فاتهموه بالسحر والكذب، وآذوه بالقول والفعل، حتى أُخرج من مكة التي أحبّها. ومع ذلك، لم يدعُ عليهم، بل كان قلبه عامرًا بالرحمة والدعاء بالهداية.

ومن أروع المواقف التي تجسد هذا الخلق النبيل، عندما عاد النبي ﷺ إلى مكة فاتحًا بعد سنوات من الاضطهاد، فوقف أمام من آذوه وقال لهم في مشهدٍ خالٍ من الانتقام والكراهية:

"اذهبوا فأنتم الطلقاء"

بهذه الكلمات البسيطة، علّم البشرية أن العفو عند المقدرة هو قمة الشجاعة، وأن التسامح لا يُظهر ضعفًا، بل يُظهر عظمة النفس وقوة الإيمان.


مواقف من تسامح النبي ﷺ

  1. في الطائف

    عندما ذهب النبي ﷺ إلى الطائف يدعو أهلها إلى الإسلام، قابلوه بالإيذاء والسخرية، ورموه بالحجارة حتى سال دمه الشريف. ومع ذلك، لم يغضب ولم ينتقم، بل رفع يديه إلى السماء وقال:

    "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"
    كانت هذه الكلمات دليلًا على قلبٍ رحيمٍ لم يعرف الحقد، بل امتلأ بالدعاء والخير لمن أساء إليه.

  2. مع اليهود والمنافقين

    عاش النبي ﷺ مع اليهود في المدينة، وكان يعاملهم بالعدل والإنصاف رغم مكائدهم المتكررة، لأنه كان يرى في التسامح وسيلة لإصلاح القلوب قبل معاقبتها.
    حتى المنافقين الذين حاولوا تشويه سمعته، كان يقابلهم بالصبر والحكمة، ليُعلّم أصحابه أن الدين يُنشر بالرحمة لا بالعنف.

  3. حادثة المرأة التي كانت تُلقي القمامة

  4. كانت امرأة تؤذي النبي ﷺ كلما مرّ من أمام بيتها، فتضع الأذى في طريقه. وذات يوم لم يجد الأذى كعادته، فسأل عنها، فقيل له إنها مريضة. فما كان منه إلا أن ذهب لزيارتها! فتعجّبت وقالت: "أنت محمد الذي كنت أؤذيك؟" فقال ﷺ: "نعم، جئت أعودك." فبكت وأسلمت تأثرًا برحمته وتسامحه.


 التسامح في حياة الأسرة والمجتمع

إنّ التسامح ليس خُلقًا خاصًا بالأنبياء، بل هو خُلق يجب أن يسود بين جميع الناس، في الأسرة، والمدرسة، والمجتمع. فحينما نُعلّم أبناءنا التسامح، نُنشئ جيلًا يعرف معنى الرحمة والمودة، ويبتعد عن الكراهية والعنف.

وفي الحياة الزوجية، يُعد التسامح أساس الاستقرار، لأن كل علاقة لا تخلو من الخلاف، لكن القلوب التي تتسامح هي التي تبني السعادة. قال النبي ﷺ:

"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي."

وفي التربية، يجب أن نُربي أبناءنا على أن التسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، بل هو اختيارٌ راقٍ نابع من قوةٍ داخلية.


 فوائد التسامح في حياتنا

  • الراحة النفسية: فالقلب الذي يسامح يعيش مطمئنًا، بعيدًا عن الغضب والحقد.

  • تحسين العلاقات: التسامح يجلب المحبة ويقوّي الروابط بين الناس.

  • كسب رضا الله: قال تعالى: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟" [النور: 22]

  • نشر السلام: فالمجتمع المتسامح هو مجتمع آمن، تسوده المحبة والتعاون.


 التسامح في دعوة النبي ﷺ للعالمين

كان رسول الله ﷺ يحمل رسالة السلام لكل البشر، لا تقتصر على المسلمين فقط. فقد قال الله تعالى عنه:

"وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين" [الأنبياء: 107]

فكان ﷺ رحمةً لكل من عرفه، حتى أعداؤه كانوا يشهدون بعدله وكرمه. لم يكن يحمل الكراهية لأحد، بل كان يرى في كل إنسان فرصة للهداية والخير.

وما أحوجنا اليوم إلى هذا النموذج النبوي في زمنٍ كثرت فيه النزاعات وسادت فيه القسوة، لنُعيد إلى قلوبنا نور التسامح الذي يُنير طريق السلام.


 دروس نتعلمها لأطفالنا من تسامح النبي ﷺ

علينا كآباء وأمهات أن نغرس في نفوس أطفالنا حب التسامح والعفو منذ الصغر، لأن الطفل الذي يتربى على الرحمة واللين يصبح إنسانًا إيجابيًا متوازنًا في المستقبل.

يمكننا تعليمهم ذلك من خلال القصص النبوية، مثل قصة الطائف أو قصة المرأة المؤذية، ليعرفوا أن القوة الحقيقية في التسامح لا في الانتقام.

فلنعلّم أبناءنا أن يقولوا "سامحتك" بدلاً من "سأنتقم"، وأن يختاروا اللطف بدلًا من الغضب، فهكذا نزرع فيهم القيم النبوية الأصيلة التي تبني أمة متحضرة تنشر الحب والسلام.



وختاماً

لقد كان النبي محمد ﷺ مدرسةً متكاملة في التسامح والرحمة، علمنا أن التسامح لا يضعف القلب بل يقوّيه، وأن العفو عن الناس هو طريقٌ إلى رضا الله وسعادة النفس.
فلنقتدِ برسولنا الكريم في تعاملنا مع الآخرين، ولنجعل من التسامح نهجًا نعيشه كل يوم في بيوتنا ومدارسنا ومجتمعاتنا.
            

                 فبالتسامح تُبنى الأمم، وتزدهر القلوب، وتعلو الإنسانية.


google-playkhamsatmostaqltradent