*فصاحة اللسان عند أطفال العرب : جذورٌ ثقافية وتحدياتٌ عصرية
تُعَدّ فصاحة اللسان من أبرز السمات التي ميزت العرب عبر تاريخهم، فقد ارتبطت اللغة العربية ببلاغة التعبير، وجمال الأسلوب، ودقة البيان. ومع دخول العصر الحديث وتغيّر أنماط الحياة والتواصل، بدأت تظهر تساؤلات حول مستوى الفصاحة لدى الأطفال العرب اليوم، ومدى قدرتهم على اكتساب مهارات اللغة السليمة في ظل المؤثرات الجديدة.
في هذا المقال، نسلّط الضوء على
*أهمية الفصاحة عند أطفال العرب، وجذورها، والعوامل التي تؤثر فيها، وكيف يمكن دعمها وتنميتها.
أولًا: الجذور الثقافية لفصاحة الطفل العربي
تاريخيًا، نشأ الأطفال العرب في بيئات غنية لغويًا؛ المجالس الأدبية، الحكايات الشفوية، الشعر، والخطابة كانت جزءًا من الحياة اليومية. هذا الإرث الثقافي أسهم في تكوين ذائقة لغوية مبكرة لدى الطفل، إذ كان يسمع العربية الفصيحة من الكبار، ويستوعب تراكيبها قبل التحاقه بالمدرسة.
كما أنّ القرآن الكريم، ببلاغته وإيقاعه، شكّل مصدرًا رئيسيًا لتهذيب اللسان وتعميق الفهم اللغوي، حيث تأثّر الأطفال بالآيات المتداولة يوميًا في البيت والمسجد.
ثانيًا: التحديات التي تواجه فصاحة الأطفال اليوم
رغم غنى التراث اللغوي العربي، تواجه فصاحة الأطفال عدة تحديات معاصرة، أبرزها:
1. هيمنة اللهجات المحلية
اللهجات جزء أصيل من الهوية، لكنها في كثير من الأحيان تبتعد عن الفصحى في المفردات والبنية النحوية، مما يقلل تعرض الطفل للغة الصحيحة.
2. التأثير الكبير للغات الأجنبية
المدارس الدولية، ووسائل التواصل، والألعاب الإلكترونية — جميعها تعتمد على لغات أجنبية، ما يحد من تفاعل الطفل بالفصحى.
3. المحتوى الإعلامي غير الموجّه
تشغل الطفل برامجٌ كرتونية ومسلسلات لا تستخدم الفصحى أو تستخدم فصحى ركيكة، وهو ما ينعكس على مخزونه اللغوي.
4. ضعف القراءة
العلاقة بين الطفل والكتاب ضعيفة في كثير من البيئات العربية، في حين تعد القراءة جسرًا أساسيًا للبلاغة والفصاحة.
ثالثًا: أثر الفصاحة على شخصية الطفل وتحصيله
فصاحة اللسان ليست ميزة لغوية فقط، بل ترتبط أيضًا بـ:
-
الثقة بالنفس: الطفل القادر على التعبير ينتصر على الخجل ويكوّن شخصية متوازنة.
-
القدرة على التفكير: الكلمة الواضحة تعكس فكرة واضحة.
-
النجاح الدراسي: التميّز في الفهم والكتابة والشرح يبدأ من إتقان اللغة.
-
التواصل الاجتماعي: الطفل الفصيح يعبر عن حاجاته ومشاعره بوضوح.
رابعًا: كيف نعزز فصاحة اللسان عند أطفال العرب؟
1. التحدّث مع الطفل بالفصحى قدر الإمكان
ليس المطلوب أن يتخلى الأهل عن لهجاتهم، بل أن يدمجوا الفصحى في الحديث اليومي، وخصوصًا عند سرد القصص أو الأسئلة التعليمية.
2. الإكثار من القراءة والقصص
الكتب المصوّرة، قصص التراث، الحكايات الحديثة – كلها موارد ممتازة.
القراءة اليومية لمدة 10 دقائق فقط تحدث فرقًا كبيرًا.
3. توفير محتوى مرئي عربي فصيح
مثل البرامج التعليمية، الرسوم المتحركة المدبلجة جيدًا، ومواد اليوتيوب الهادفة.
4. تشجيع الطفل على التحدث والتعبير
طرح الأسئلة عليه، ومنها: "ماذا فهمت؟" "كيف تشرح ذلك؟"
الحديث يحوّل الفصحى من لغة مسموعة إلى لغة مُمَارَسة.
5. نماذج لغوية جيدة
لينتقي الطفل من حوله من يتقن الفصحى: معلمون، رواة، مقرئو القرآن، محتوى إعلامي راقٍ.
* خاتماً
فصاحة اللسان عند أطفال العرب ليست مجرد إرث لغوي، بل هي مفتاح للمعرفة والهوية والثقة، وتتطلب جهدًا متواصلًا من الأسرة والمدرسة والإعلام. ورغم التحديات الكبيرة، فإن البيئة المناسبة قادرة على تعزيز لغة الطفل وتأسيسه على الفصحى السليمة، لتظل العربية حاضرة حية في ألسنة الأجيال الجديدة.
